شهدت منطقتنا العربية نوعا من الحراك الاجتماعي والسياسي أستحلي البعض تسميته ربيعا ثوريا عربيا ، ومنذ البداية كنت ارقب المشهد عن كثب تلاحق عيناي اغلب ما كتب عنه ودار حوله من نقاش أو تحليل عبر الوسائط الإعلامية والإلكترونية .
وبعد عام كامل حاولت استجلاء المشهد واستبيان اللاعبين بعد أن يكون قد علم كل أناس مشربهم ، فكان لافتا كثرة الاختلاف حول ما يجري: ابتداء من التعريف إلى المآلات والنتائج ، في دوامة من التباين في الرؤى لا نهاية لها ، يبدوا أنها من أهم مميزات الحدث وقد تكون عن قصد .
فمن حيث التعريف : سمي ربيعا عربيا على اختلاف في الوصف والموصوف بين من يصفونه بهذا الوصف وبين من اعتبره ربيعا إسلاميا ، مع أني لا أرى تناقضا بين الاثنين فهو ربيع عربي إسلامي ، والوصف الأخير جاء بعد وصول التيار الإسلامي للسلطة بالتحالف مع العلمانيين كما في تونس أو بين ألوان من الطيف الإسلامي كما في مصر .
بينما يراه البعض الآخر: صيفا ، قائظا ، ماحلا ، مزمجر القاذفات ، منهمر الدماء مدمرا للبلاد ، أو هو ربيع لمن هم خارج الحدود وعوالقهم في الداخل العربي .
واعتقد أن للطرفين كليهما ما يبرر وصفه إن صيفا حارقا أو ربيعا مزهرا ، والمصلح الأخير استعير من ثورات أوربا الشرقية منذ عشر سنين خلت الثورات ( المخملية والوردية والبنفسجية ) ، وفي الأيام الأولى التي تلت سقوط بن علي في تونس روج الإعلام الغربي لوصف الثورة التونسية بثورة الياسمين ، وفي الأيام الأخيرة للثورة المصرية وقد تسرب أن مبارك يستعد للاستقالة وطال انتظار المتابعين للخطاب ، وفي أحدي إطلالاته عبر الجزيرة قال المفكر العربي عزمي أبشارة : ( يبدوا أن الربيع العربية هذا العام حل قبل أوانه ) ، وكأن مبارك قد استقال فعلا ، فأطلق أسم الربيع من حينها عنوانا لما حدث بعد ذلك ، ثم تسارعت الأحداث واستقال مبارك ، لتبدأ أحداث ليبيا واليمن والبحرين ثم سوريا ، فتباينت نظرة الناس لما يجري في سوح الأقطار الأربعة بتأثير وتوجيه من الإعلام ، فوجب سحق الجماهير في البحرين ، وتطويعها في اليمن ، ومسح الدولة والنظام من الخريطة في ليبيا ، وخنقهما في سوريا وهو ما يجري حاليا .
وتلك جزئية أخرى من جزئيات الاختلاف في النظرة إلي الحدث والتعامل معه بانتقائية كبيرة لافتة ، فكان الوصف حسب هذه الرؤية : ربيعا اجتاح المنطقة من شمال إفريقيا إلي الشام فاليمن أزيلت فيه دكتاتوريات وعمت فيه الحريات وبدأت الخلافة الراشدة الثانية ، في ثورة عالمية كبرى تشكل حدثا مفصليا في التاريخ البشري .
وفي المقابل يرى البعض من الناس - إن لم يكن الغالبية وهي رؤية تتعزز يوميا بفعل مآل الحال واتضاح الصورة أكثر – المشهد : مختلفا في كل شيء عما يراه الفريق الأول ، فالنتائج المترتبة بعد عام من بداية الأحداث هي التي أملت علي هذا الفريق رؤيته التي يلخصها في أن الوصف الدقيق هو : صيف عربي قاحل أحرق الأخضر واليابس واهلك الحرث والنسل ، وعاث في الأرض فسادا فليس إلا تمردا اجتماعيا متشظيا قائما علي إنفعال عاطفي لجمهور تائه مآلاته – التي حقق الكثير منها – لا تعدو الدمار الذاتي الغوغائي الطبيعة الذي يفتقد أي دليل فكري راق يوقد جذوته ويقوده ، فتولي إيقادها النفط والجهل وخطاب التعصب والتدين السياسي ، بدل الفقر والحرمان والدكتاتوريات في اغلب الأحيان ، وذلك طبيعي في غياب قيادة أو قائد أو عقل مدبر باستثناء فلاسفة خارج الحدود كان طليعتهم بيرنارهنري ليفي الذي اتضح أنه هو فيلسوف التدمير الذاتي للقوى الاجتماعية العربية عن طريق إطلاق التمرد الشعبي وحرمانه من الفكر الذي يوجه بوصلته ، ليتحول إلي فوضي يشعلها فلاسفة غربيون ويغذيها نفط عربي في أيد لا تقدر كرامة أمتها ، وقاذفات فتاوى دموية عجزت عن التجدد والتحكم في المارد بل كانت قوة دافعة له .
وبعيدا من تبني أي من الرؤيتين يمكن أن يلخص المشهد في ما يلي ، وأرجوا أن لا تكون الصورة غير دقيقة أو الحكم قاس ، لكن عزائي إذا لم يتحقق ذلك الرجاء أني لااقبل لنفسي أن اخدع احدا أو أريه غير ما أرى لقول المصطفي صلي الله عليه وسلم: " ……ومن أشار علي أخيه بأمر يعلم الرشد في غيره فقد خانه ….سنن أبوداود ج 3 / 3657 " وذلك فقط لأن القارئ يريد أن يسمع ما يهوى ، فصديقك من صدقك لا من صدقك .
- في تونس : إنتفض الشعب التونسي العظيم في غضبة لمواطن آلمه الظلم والتهميش ككل أبناء تونس وقدم الشهداء ، فرأي حلفاء بن علي حليفهم متهالكا فاقدا لما تبقي له من صلاحية عند شعبه عند شعبه إن كان قد وجد فكانت، الفرصة لاستبدال رأس النظام فقط دون غيره بما يلبي حاجيات الغربي في بلاد عقبة المجاب والزيتونة والثعالبي و الشابي ، وبفعل فاعل قررت قيادة أركان بن علي العسكرية عصيان أوامره بقمع شعبها ، فهرب بن علي وبقي نظامه الذي رعى انتخابات شفافة آلت إلي تقاسم للسلطة بين طرفين كانا يقتتلان سياسيا علنا علي الأقل ، اقتسام يقال إنه تم في نيويورك ربما بحضور الآيباك إثر تنازلات من احدي طرفي السلطة زار آميريكا بعد الانتخابات مباشرة . بيد أن من الواضح للأسف أن الثورة ما زال فعلها بعيدا عن المواطن اقتصاديا واجتماعيا وإن وصل في شعوره بالحرية الحد الذي مكن أفرادا أول أمس من استبدال علم تونس بعلم اسود قيل إنه علم القاعدة ورفعه فوق إحدى الجامعات التونسية في غربي البلاد ، ومازال النظام دون تغير كبير يذكر بل أنه يقال إن بعض رجال النظام السابق هم الأوفر حظا في الانتخابات الرئاسية القادمة ( الفريق رشيد عمار مثلا ) .
وفي مصر: كان الوضع الاجتماعي علي مستوى من النضج هيأ للقيام بالثورة ، فتم استنساخ التجربة التونسية بشكل كبير ، فمبارك ينطبق عليه تماما ما ينطبق علي بن علي من انتهاء الصلاحية ، خصوصا إذا علمنا أن الأمريكيين احتجوا لديه أن اغلب التسعة عشر من شباب 11 سبتمبر 2001 هم مصريون ، وأنه لم يفلح في تدجين شعب الكنانة للتطبيع الاجتماعي والثقافي مع الصهائنه ، بل وقف عاجزا أمام طبيعة شعب مصر الأصيل المقاوم فغلبه المصريون علي الأنفاق وعجز عن منع احتضان الشعب المصري لأخيه شعب فلسطين ، رغم بذله قصار جهده خدمة للمشروع الأمريكي في المنطقة ، ومواقفه من احتلال العراق وحرب الصيف وحرب الفرقان تؤكد ما ذكرنا .
وأمام إصرار شباب الثورة وشعاراته الوطنية الأصيلة التي رفعها من أول يوم ( الحرية – والعدالة الاجتماعية – والكرامة الوطنية ) : كان لزاما علي من يهمهم الأمر التعامل مع واقع جديد تستنسخ فيه طريقة خروج بن علي وبقاء نظامه ، ولا يتم ذلك إلا بالقيام بعملين اثنين :
أ – الحفاظ علي النظام من خلال استلام قيادة أركان الجيش للسلطة في البلاد ، والتي لا يبدوا أنها مستعدة لتخلي عنها علي الأقل حسب تصريح لجيمي كارتربعد لقائه لأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر الشهر الماضي.
مع الاعتماد سياسيا علي قوى سياسية معينة يعلم المتتبع للشأن المصري قدرت